ابن العربي
399
أحكام القرآن
مات عبدا والقصاص لسيده . ومنهم من قال : مات حرّا ويدفع من ماله كتابته لسيده ، ويرث ماله بقية ورثته ، ويرثون قصاصه ، فانتصب اختلافهم في المستحق شبهة في درك القصاص . وهذا الفقه صحيح ؛ وذلك أنّ الإيجاب حكم ، والاستيفاء حكم آخر مغاير له ، وأسبابهما تختلف ؛ وإذا اختلفا سببا واختلفا ذاتا كيف يصحّ لمحق أن ينكر انفراد أحدهما عن الآخر ؟ بل هنالك أغرب من هذا ؛ وهو أنّ الوجوب حكم والاستقرار حكم آخر ؛ فإن الصداق يجب بالعقد ، ولا يستقرّ إلا بالوطء ؛ إذ يتطرّق السقوط إلى جميعه قبل الوطء بالردة ، وإلى نصفه بالطلاق . وقد انبنى على هذا الأصل أحكام كثيرة من الزكاة ، إذا كان الصداق ماشية وغيرها ؛ فإذا كان الاستقرار - وهو وصف الوجوب حكما - انفرد عن الوجوب بانفراد الاستيفاء منه وهو غيره أصلا وصفة فذلك أولى . وأما قول الطبري : من الذي أوجب عليه ؟ ولمن وجب ؟ فيقال له : نقصك قسم ثالث عدلت عنه أو تعمّدت تركه تلبيسا : وهو أن يجب للأمة - وهي الزوج « 1 » - على العبد الذي تزوجها ، كما تجب عليه النفقة لها . فإن قال : ليست الأمة أهلا للملك ولا للتمليك . قلنا : لا نسلّم ؛ بل العبد أهل للملك والتمليك . وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف تخليصا وتخليصا وإنصافا ، وحققنا في الكتب الثلاثة أنّ علة الملك الحياة والآدمية ، وإنما انغمر وصف العبد بالرقّ للسيد ، ولكن العلّة باقية ، والحكم قد يتركب عليها مع وجود الغامر لها . وكيف لا تملك الأمة واللّه تعالى يقول في الإماء « 2 » : وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، فأضاف الأجور إليهن إضافة تمليك ؟ وأما قوله : إن العقد كما يقتضى الإيجاب كذلك [ الملك ] « 3 » يقتضى الإسقاط . قلنا له : فذكر على كل واحد مقتضاه « 4 » أوجب بالعقد وأسقط بالملك ووفر على كلّ سبب حكمه كما فعلنا في شراء القريب .
--> ( 1 ) الزوج : البعل ، والزوج - أيضا : ويقال لها زوجة أيضا ( مختار الصحاح ) . ( 2 ) سورة النساء ، آية 24 ( 3 ) ليست في ل . ( 4 ) في ل : نوفر عن كل أحد مقتضاه .